حماقة ادّعاء العقلانية
- Rawan

- 1 day ago
- 2 min read

كثيرًا ما أعود إلى تلك القراءات التي زعزعتني من الأعماق..لا تلك التي أكّدت ما كنتُ أظنّه عن نفسي مسبقًا، بل تلك التي فكّكت بهدوء وهمَ أنني أقف على أرضٍ معرفية صلبة، أنا لا أرتدي الشكّ كوسام، ولا أستعرضه كغرور فكري، لكنه يسكنني.
وهو يُعقّد كل شيء..
خصوصًا الروحانية واليقين؛ لأنه حين يكون تفكيرك مبنيًا على استجواب معتقداتك الذاتية باستمرار، وحين يُدرَّب عقلك على محاكمة استنتاجاته بنفسه، يصبح اليقين أصعب، ويُلزَم الإيمان بالمرور عبر محاكمة قبل أن يُسمح له بالجلوس.
ثمّة مفارقة عميقة في أولئك الذين يدّعون «العقلانية» وكأنها سمة شخصية، وكأنها علامة تجارية، وكأن إعلان «أنا عقلاني» يُعفيهم، بطريقة ما، من بنية التحيّز التي تُشكّل كل قرار بشري.. كلّما تعلّمنا أكثر عن العالم، وعن الإدراك، والاستدلالات السريعة، وتأثيرات التأطير، وديناميكيات الجماعة، والنوازع البيولوجية، ازدادت صعوبة الدفاع عن وهم العقلانية؛ فأفق المعرفة لا يجعلنا أكثر جمودًا، بل أكثر وعيًا بمدى محدودية كل شيء.
ما نُسمّيه «عقلانية» يكاد يكون دائمًا محدودًا وسياقيًا إلى حدٍّ كبير؛ فهو يعتمد على الخيارات المعروضة أمامنا، والطريقة التي تُؤطَّر بها تلك الخيارات، والمعلومات التي تصلنا، والمعلومات التي تُحجب عنّا، والخلفية التي وُلدنا فيها، والتي لم يكن لنا فيها إلّا أدنى حد من التدخّل في تصميمها…
تنشئتنا…
ثقافتنا…
مخاوفنا…
حاجتنا إلى الانتماء…
آلتنا العصبية البدائية المبرمَجة لتجنّب أي تهديد والحفاظ على عضوية الجماعة.
كل ذلك يعمل في آنٍ واحد.
ومع ذلك نروي قصص خياراتنا وكأنها صُمِّمت بواسطة آلة حاسبة داخلية مُحكَمة، وكأننا حدّدنا المتغيّرات بموضوعية، ووزنّا المفاضلات بحياد، واخترنا النتيجة المُثلى عبر المنطق المجرّد وحده.. لكن معظم ما يسبق «قرارنا» يحدث قبل أن يدخل الوعي الغرفة أصلًا، وفي الغالب تكون القرارات سردًا بأثرٍ رجعي..لهذا أجد ادّعاء العقلانية أقرب إلى السذاجة، لأن الثقة التي تُؤكَّد بها تتجاهل القوى الجوفية التي تُشكّل محدودية هذا المنطق.
ديفيد هيوم في كتابه «بحث في الفهم البشري» يرسم هيوم تمييزًا بين الشكّ السابق — ذلك الشكّ المفرط المُشلّ في كل شيء — والشكّ اللاحق الذي ينبثق بعد أن ندرك حدود قدراتنا، يُذكّرنا هيوم بأن تكرار الحكايات لا يحوّلها إلى برهان بمجرد التراكم؛ عشر قصص ليست أفضل من واحدة.. إذا كان بنيان الاستدلال معيبًا، والمغالطة بالجهل — argumentum ad ignorantiam — تبقى مغالطة.. سواء ارتدت ثوب الإحصاء، الأرقام، الثقة، أو التجربة.
ما أُقدّره في هيوم ليس التشاؤم، بل إدراكه أن الفهم البشري هشّ، وأن الاستقراء ذاته يقوم على العادة لا على اليقين، وأن السببية شيء نستنتجه لا شيء ندركه مباشرة، و حين تستوعب ذلك يصبح من الصعب جدًا أن تتحدث بالمطلقات، وربما هذا هو الانزعاج الحقيقي: الشكّ يُزعزع الهوية، يرفض أن يدعك تتصلّب في نموذج جامد ثابت لـ«الشخص العقلاني»، يُبدّد الوهم بأن قراراتك تنبع من نقطة مراقبة محايدة فوق كل شيء: الثقافة، التنشئة، البيولوجيا، أو حتى الخوف.
أن تعيش بروح الشك هو أن تعيش دون تلك الراحة،
أن تعرف أن ما يبدو عقلانيًا قد لا يكون سوى تحيّز أُحسنت صياغته،
وأن ما يبدو منطقًا قد يكون خوفًا يرتدي عباءة القياس المنطقي،
وأن ما يبدو يقينًا قد يكون انتماءً يبحث عن الأمان.
ومع ذلك — لا أرى في هذا مأساة، أراه دعوة إلى التواضع.
إلى إدراك أن العقل ليس عرشًا نجلس عليه، بل أداة نصقلها،
وأن الشكّ ليس رفضًا للمعنى، بل مطالبة بالأمانة الفكرية،
وأن الروحانية، إن كان لها أن تتعايش مع الشك، يجب أن تكون صلبة بما يكفي لتحتمل الاستجواب.




